[
العصفور السجين

العصفور السجين

العصفور السجين

كنتُ أتمشى في ساحةِ بلدتي، فرأيتُ قفصًا في واجهةِ أحدِ المحالِ وفي داخلِهِ عُصفورٌ صغيرٌ. وقفتُ أتأملهُ وهو يقفزُ على قضبانِ القفصِ، ثمّ ينتقلُ إلى العودِ الموضوعِ في وسطهِ.

إقتربتُ مِنهُ وحدّقتُ فيهِ، فرأيتُ ريشَهُ المُلوّنَ الجميلَ، كما رأيتُ الحُزنَ في عينيهِ. تأثّرتُ لحالتِهِ وقُلتُ في نفسي: إنّ لِلطائِرِ جناحينِ ليطيرَ ويُحلّقَ بِهما في الفضاءِ الواسعِ ، فكيفَ يسجُنهُ الإنسانُ في قفصٍ؟وتصوّرتُ نفسي سجينًا في غُرفَةٍ صغيرةٍ وأنا مُقيَّدُ اليدينِ والرّجلينِ. كيفَ يُمكنُ أن أتحملَ الضّجرَ والعذابَ؟

وكم إزدادت شفقتي عليهِ عِندما أطلَّ بمنقارِهِ من بينَ قُضبانِ القفصِّ، ونظرَ إليَّ نظرَةَ عطفٍ ، وكأنّهُ يقولُ لي : ’’ أنا صديقُكَ . أنقذِني من هذا السّجنِ. أعِدْ إليَّ حُرّيتي‘‘ .

كنتُ كُلّما تأملتُهُ ازددتُ عطفًا عليهِ. وصارتِ الصّورُ والأفكارُ تتسارَعُ في رأسي : أليسَ لهُ إخوةٌ ورِفاقٌ؟ أليسَ لهُ أمٌّ ؟ كيفَ تكونُ حالَتُها ؟ وكم يكونُ مُشتاقًا إليها ! هل يلتقيانِ بعدُ؟

نسيتُ كم انقضى من الوقتِ، وأنا واقِفٌ أتأمّلُ هذا العصفورَ المسكينَ. كانَ النّاسُ يمرونَ بالقُربِ مِنّي وأصواتُهم العاليةِ تختلِطُ بهديرِ السّياراتِ. وأنا لا أرى إلا عصفوري الصّغيرَ، ولا أسمعُ إلا زقزقتَهُ النّاعمةَ الحزينةَ.

فجأةً وجدْتُ نفسي داخلَ المحلِّ أسألُ صاحِبَهُ أن يبيعني العُصفورَ، وأنا خائفٌ أن يقولَ لي: ’’ لا، ليسَ العُصفورُ للبيعِ‘‘ . لِحُسنِ حظّي قَبِلَ أن يبيعَهُ. دفعتُ لهُ الثّمنَ من نقودي القليلةِ الّتي جمعتُها خلالَ أُسبوعٍ.

حملتُ القفصَّ وأنا أعدو مُسرعًا . كأنَّ العُصفورَ استأنسَ بي، فأصبحَ يقومُ بحركاتٍ تدلُّ على المرحِ والنّشاطِ.

عِندما ابتعدّتُ عن أنظارِ النّاسِ فتحتُ بابَ القفصِّ، فانطلقَ العُصفورُ كالسّهمِ. بقيتُ أتأمّلُهُ حتّى غابَ عن عينيِّ. أكملتُ طريقي إلى البيتِ وأنا أحملُ القفصَ فارِغًا ولكنّني أحملُ السعادةَ في قلبي.

انتقل إلى أعلى